لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ
لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ
هذا وصف ثانٍ للوجوه الناعمة؛ والمعنى: أنها راضية عن عملها الذي قدّمته في الدنيا حين رأت ثوابه وثمرته. وقال جماعة من أهل التأويل: راضية بما أُعطيت من الجزاء على سعيها. والمعنيان متلازمان؛ إذ الرضا عن العمل إنما يقع لظهور ثمرته، والرضا بالثواب إنما يقع لعلمه أنه ثمرة عمله. وقرر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن اللام في {لِّسَعْيِهَا} للتعليل؛ أي: راضية بسبب سعيها؛ فرضاها ناشئ عن استحضار ما قدّمت. وهذا الوصف مقابل لقوله في الفريق الأول: {عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ}؛ فأولئك عملوا فنصبوا ولم يرضوا، وهؤلاء سعوا فرضوا؛ فالفارق في وجهة السعي لا في أصل بذله.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الوصف عقب وصف النعومة مباشرة؛ فبُدئ بأثر النعيم الظاهر ثم ثُني بمصدره الباطن؛ إذ نعومة الوجه ثمرة رضا القلب. وهو نظير الترتيب في المشهد الأول تماماً: خشوع ظاهر ثم بيان سببه في العمل والنصب. ثم إن ذكر السعي هنا تمهيد لختام السورة؛ فإنها ستُقرر بعدُ أن الرسول ﷺ مذكِّر لا مسيطر، وأن الإياب والحساب إلى الله؛ ومقتضى ذلك أن مدار النجاة على سعي العبد نفسه؛ فذكر السعي في أول السورة عند وصف الفريقين تأسيس لما يُختم به.