وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ
وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ
هذا رابع الأدلة وخاتمتها؛ والمعنى: وأفلا ينظرون إلى الأرض كيف بُسطت ومُهّدت لتصلح للسكنى والسعي عليها. و«التسطيح» عند أهل اللغة: البسط والتمهيد؛ ومنه «سطح البيت» لأعلاه المبسوط. وقد جاء هذا المعنى في مواضع من كتاب الله بألفاظ متقاربة: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا}، {وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ}، {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا}، {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا}. ونقل القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن معنى {سُطِحَتْ} بُسطت ومُهّدت. وبهذه الآية يتم الاستدلال بالجهات الأربع: ما بين يدي الناظر، وما فوقه، وما شمخ في الأرض، وما انبسط تحت قدمه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): خُتم مقطع النظر بالأرض؛ لأنها موضع القدم ومستقر الخلق ومنها ابتُدئ خلق الإنسان وإليها يعود؛ فكان ختام الأدلة بها ختاماً مناسباً لسياق يُراد به إثبات البعث؛ إذ الأرض هي التي تُخرج الأموات يوم القيامة. ثم إن الانتقال بعدها إلى قوله: {فَذَكِّرْ} انتقال من إقامة الحجة إلى بيان وظيفة المذكِّر؛ فكأن السياق يقول: إذا كانت الأدلة بهذا الظهور والانتشار، فما بقي على الرسول إلا التذكير بها؛ فمن أعرض بعدها فليس على المذكِّر من إعراضه شيء؛ والفاء في {فَذَكِّرْ} تشير إلى هذا الترتب.