فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ
فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ
لما تمت الحجة بعرض المشهدين وإقامة الأدلة الأربعة، توجه الخطاب إلى النبي ﷺ ببيان وظيفته. والمعنى: فذكّر يا محمد هؤلاء بما أُنزل إليك وعِظهم به؛ فإنما أنت مذكّر ليس عليك إلا البلاغ. وقد قرر أهل التفسير أن هذا حصر لوظيفة الرسول ﷺ في التذكير؛ وأن الهداية بيد الله وحده؛ ويشهد له قوله سبحانه: {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ}، وقوله: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ}، وقوله: {فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ}. وأشار السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية إلى أن في هذا تسلية للرسول ﷺ ورفعاً للحرج عنه فيمن لم يستجب له. وسُمي الأمر تذكيراً لأن ما جاءت به الرسل موافق لما فُطر الناس عليه؛ فهو تذكير بما استُقر في الفطرة لا تعليم لما لم يكن معلوماً بحال.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الأمر في موضعه بعد تمام الحجة؛ فالتذكير لا يكون إلا بعد قيام ما يُذكَّر به. ثم إن الفاء في {فَذَكِّرْ} تربط هذا المقطع بما قبله ربطاً سببياً؛ أي: لما ثبت أن الأدلة قائمة وأنهم معرضون عنها، فوظيفتك أن تُنبّههم إليها. ثم إن هذه الآية توطئة لما بعدها؛ فقد بُدئ بإثبات الوظيفة {إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ}، ثم ثُني بنفي ما ليس منها {لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ}؛ فاجتمع الإثبات والنفي لتتحدد الوظيفة تحديداً لا لبس فيه. وهذا نظير ما جاء في سورة الأعلى قبلها: {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَىٰ}.