لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ
لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ
هذا وصف للضريع المذكور قبله؛ والمعنى: أن هذا الطعام لا يحصل به ما يُطلب من الطعام أصلاً؛ فلا يُنشئ في البدن سِمَناً ولا يدفع عن صاحبه ألم الجوع. وقد قرر أهل التفسير أن للطعام مقصدين: مقصداً بعيداً وهو نماء البدن وقوته، ومقصداً قريباً وهو دفع ألم الجوع في الحال؛ فنفت الآية المقصدين معاً؛ فبقي هذا الطعام عذاباً محضاً لا منفعة فيه بوجه. وأشار السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية إلى أن هذا أشد ما يكون في وصف طعامهم؛ إذ الطعام إنما يُتناول لأحد هذين، فإذا انتفيا صار تناوله عقوبة خالصة. وفي هذا المعنى قوله تعالى في وصف طعام أهل النار في سورة الدخان: {كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ}؛ فهو داخل عليهم لا خارج عنهم، مؤذٍ في مستقره كما آذى في مدخله.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية مكمّلة للتي قبلها ولا يتم المعنى إلا بها؛ فإن قوله: {إِلَّا مِن ضَرِيعٍ} أفاد حصر الطعام في جنس، ولو وقف الكلام هناك لبقي في النفس احتمال أن يكون فيه شيء من نفع وإن قلّ؛ فجاءت هذه الآية لتنفي كل نفع فيه. وبهذا يتم مشهد الفريق الأول تماماً؛ فقد استوفى ذكر الحال والسبب والمصير والشراب والطعام؛ وهو مشهد سداسي الأركان ينتقل بعده السياق إلى نقيضه. ويظهر إحكام النظم في أن الآية الأخيرة من مشهد الشقاء نفي محض ({لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي})، وأن أول آية من مشهد النعيم إثبات محض ({وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ})؛ فالانتقال بين المشهدين انتقال بين نفي وإثبات.