فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ
فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ
انتقل السياق إلى بيان مستقر هذه الوجوه؛ والمعنى: أنها في بستان رفيع المكان عالي المنزلة. وذكر أهل التفسير في وصف «العلوّ» وجهين لا يتنافيان: علوّ المكان الحسي؛ فإن الجنة فوق السماوات وأعلى منازلها الفردوس الأعلى؛ وعلوّ القدر والمنزلة؛ فهي أرفع ما يُنال من الجزاء. وقد نقل القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن المراد علوّ المكان، وقيل: عالية القدر والمكانة. ومما يعضد معنى العلوّ ما تقرر في نصوص الشرع من أن الجنة درجات متفاضلة، وأن أعلاها الفردوس، وأن سقفه عرش الرحمن؛ فالعلوّ ثابت لها في ذاتها وفي منازل أهلها. وفي المقابلة بين هذه الآية وقوله في الفريق الأول {تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً} تمام التضاد: علوّ في مقابل هبوط، وبرد وظل في مقابل حرّ وسموم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء ذكر المستقر بعد ذكر الحال والرضا؛ لأن ترتيب العرض في مشهد النعيم جارٍ على نظير ترتيبه في مشهد الشقاء: هيئة، فسبب، فمستقر، فشراب، فسائر النعيم. ثم إن هذه الآية مفتاح لسلسلة الآيات التالية؛ فإن قوله {فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ} أجمل المكان، ثم فصّلت الآيات بعده ما فيه: نفي اللغو، والعين الجارية، والسرر، والأكواب، والنمارق، والزرابي؛ فهي كالعنوان لما بعدها. ولذلك تكرر الضمير {فِيهَا} في الآيات الثلاث بعدها عائداً إلى هذه الجنة.