لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً
لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً
هذا أول ما فُصّل من نعيم هذه الجنة؛ وبُدئ بالنعيم المعنوي قبل الحسي. والمعنى: لا تسمع في هذه الجنة كلمة لغو ولا باطل ولا فحش. وقد فسر أهل التأويل «اللاغية» بوجوه: أنها الكلمة اللاغية أي ذات اللغو، وأنها النفس اللاغية أي المتكلمة بالباطل، وأنها الفحش من القول والكذب والشتم. والأصل الجامع بينها أن اللغو ما لا فائدة فيه من الكلام ولا طائل تحته. وأشار البغوي في معالم التنزيل عند تفسير هذه الآية إلى أن المراد نفي كل كلام لا معنى له ولا خير فيه. ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى في وصف الجنة: {لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا}؛ فبيّن هناك ما يُنفى وما يُثبت.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء تقديم نفي اللغو على ذكر العيون والسرر والأكواب؛ وهو ترتيب دقيق في تقويم النعم؛ إذ صفاء المجلس من السقط مقدَّم على زينته وأثاثه؛ فكم من مجلس عامر بالطعام والشراب مكدَّر باللغو والأذى. وفي هذا التقديم إشارة إلى أن أول ما يُطلب من النعيم راحة السمع والقلب، ثم يأتي بعده متاع الجسد. ثم إن هذه الآية تقابل من مشهد الشقاء ما تقدم من صنوف العذاب؛ فأولئك في أذى متصل من كل حاسة، وهؤلاء في سلامة من أذى السمع خاصة، وهو أشد الحواس تأثراً بما يرد عليه.