فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ
فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ
هذا شروع في تفصيل النعيم الحسي؛ والمعنى: في تلك الجنة عين ماء تجري لا تنقطع. وقال أهل التفسير: أُفرد لفظ العين وهو مراد به الجنس؛ فإن في الجنة عيوناً كثيرة، كما قال سبحانه: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ}؛ فذكر الواحد هنا على إرادة الجنس المستغرق. وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن المراد اسم الجنس، وأن في الجنة عيوناً جارية. ومعنى «الجارية» أنها سائلة متدفقة غير راكدة ولا محتبسة؛ وفي هذا الوصف بيان أن نعيمها متجدد دائم لا ينقطع ولا يأسن. وقد جاء في وصف أنهار الجنة قوله تعالى: {فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ}؛ فالأول مذكور بجريانه والثاني بسلامته من التغيّر؛ وكلاهما تمام في وصف الماء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية عقب نفي اللغو مباشرة؛ فبعد أن سلم السمع جاء ما يمتّع البصر ويروي الجسد؛ فتدرج العرض من الأصفى إلى الأكثف. ثم إن هذه الآية تقابل من مشهد الشقاء قوله: {تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ}؛ فالعين في المشهدين، لكنها هناك «آنية» قد انتهى حرّها، وهنا «جارية» متدفقة عذبة؛ ووجه دقيق في المقابلة أن أولئك ذُكر سقياهم منها بصيغة القهر {تُسْقَىٰ}، وهؤلاء ذُكرت العين عندهم بصيغة الاستقرار {فِيهَا}؛ فأولئك يُساقون إليها وهي عندهم حاضرة؛ فبين المشهدين فرق في القهر والاختيار كما بينهما فرق في الحرّ والعذوبة.