أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ
لما فرغ السياق من عرض مشهدي الجزاء، التفت إلى المكذبين بهما يوبّخهم على ترك النظر في الأدلة القائمة بين أيديهم. والمعنى: أفلا يتأمل هؤلاء المنكرون للبعث في خلق الإبل كيف خلقها الله على هذه الهيئة العجيبة الموافقة لحاجتهم؟ وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن المراد بـ«الإبل» الحيوان المعروف؛ وإنما خُصّت بالذكر لأنها كانت أعظم أموال العرب وأجلّ ما يشاهدونه، ولما فيها من الخصائص التي لا نظير لها في سائر البهائم. وقال بعض أهل التأويل: المراد بالإبل السحاب؛ لأن العرب تسمي السحاب إبلاً على وجه التشبيه، ويكون ذلك أنسب لذكر السماء بعدها. والقول الأول أرجح وعليه عامة السلف؛ لأنه المعنى المتبادر من اللفظ، ولأن التدرج بعده من الإبل إلى السماء إلى الجبال إلى الأرض ترتيب من القريب إلى البعيد؛ فلو أُريد بالإبل السحاب لتكرر المعنى السماوي مرتين. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن المراد الإبل المعروفة، وأنها خلق عجيب فيها من الآيات ما فيها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا الانتقال من أشد ما في السورة إحكاماً؛ فقد عُرض مشهدا الآخرة عرضاً مفصلاً، والمكذب لا يسلّم بهما لأنه ينكر أصل البعث؛ فكان لا بد من إقامة الحجة على إمكان ما أُخبر به؛ فصُرف النظر إلى أربع آيات مشهودة تشهد بالقدرة على الإنشاء والإعادة. وابتُدئ بالإبل لأنها أقرب المخلوقات إلى العربي وأكثرها ملابسة لحياته؛ فهي مركبه وطعامه وشرابه ومتاعه؛ فالحجة مأخوذة من داخل عالمه لا من خارجه. ثم يتدرج النظر بعدها صعوداً إلى السماء، ثم نزولاً إلى الجبال، ثم انبساطاً في الأرض؛ فتُستوعب الجهات كلها.