هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ
هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ
افتتح الله تعالى هذه السورة بخطاب نبيه ﷺ على وجه التشويق والتنبيه؛ والمعنى عند عامة أهل التفسير: هل بلغك يا محمد خبر القيامة وما فيها من الأهوال؟ وذهب جمهورهم إلى أن «الغاشية» اسم من أسماء يوم القيامة، سُميت بذلك لأنها تغشى الناس بشدائدها فتعمّهم؛ وهو قول عامة السلف. وقيل: الغاشية هي النار تغشى وجوه الكفار، ويشهد له قوله تعالى في سورة إبراهيم: {وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ}. والقول الأول أعمّ وأليق بالسياق؛ لأن السورة عرضت بعده حال الفريقين جميعاً لا حال أهل النار وحدهم، فلو كانت الغاشية هي النار لم يستقم أن يُدرج في حديثها ذكر أهل الجنة. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن أهل التأويل اختلفوا في المراد بها على هذين الوجهين، ورجّح كون التسمية للقيامة لعموم غشيانها. وقد ثبت أن النبي ﷺ كان يقرأ بهذه السورة في المجامع؛ فروى مسلم في صحيحه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِيدَيْنِ وَفِي الْجُمُعَةِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء افتتاح السورة بالاستفهام لا بالخبر المجرد لغرض بنائي دقيق: فالسورة كلها عرض مشهدين ثم دعوة إلى نظر ثم تقرير لوظيفة الرسول؛ ومثل هذا العرض المفصّل يحتاج إلى مقدمة تُنبّه السامع وتشد سمعه قبل التفصيل. ولو بُدئ بقوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ} ابتداءً لجاء الكلام على غير توطئة، ولم يستوف حظه من التعظيم. ثم إن هذا المطلع يتصل بخاتمة سورة الأعلى قبلها اتصالاً وثيقاً؛ فقد ختمت بقوله: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}؛ فجاء هذا الاستفهام كأنه يقول: أتريدون بيان هذه الآخرة التي هي خير وأبقى؟ فهذا حديثها.