تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ
تُسْقَىٰ مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ
لما ذُكر ما تباشره من الحرّ، ذُكر ما تُسقاه؛ والمعنى: تُسقى من عين قد بلغ حرّها المنتهى وانتهى نضجها. و«الآنية» عند أهل التفسير: التي انتهى حرّها؛ من «أنى الشيء يأني» إذا بلغ وقته وأدرك غايته؛ فهي عين حارّة أُدركت غاية الحرارة. وقال بعض السلف: هي التي أُوقد عليها منذ خُلقت. ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى في سورة الرحمن: {يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ}؛ فالوصف واحد في الموضعين. وذكر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن «الآنية» هي التي انتهت في الحرارة إلى غايتها؛ مأخوذ من «أنى» بمعنى بلغ. وفي الآية إشارة إلى أن سقياهم لا تُطفئ ظمأ بل تزيده؛ كما قال سبحانه: {وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية في موضعها المقتضى؛ فإن الصلي بالنار يورث العطش، فناسب أن يُذكر بعده الشراب. ثم إن السياق بُني على قلب المعهود: فالعين في العادة موضع الري والبرد والراحة؛ وقد جُعلت هنا موضع الزيادة في العذاب؛ وهذا القلب يضاعف وقع المعنى. ويظهر إحكام النظم في مقابلة هذه الآية من مشهد النعيم بقوله: {فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ}؛ فالعين في المشهدين، لكن هذه «آنية» وتلك «جارية»؛ ففُرّق بينهما بحرف واحد في البناء وبكل شيء في المعنى.