وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ
شرع الله سبحانه بعد التمهيد في تفصيل الحديث الموعود، فبدأ بالفريق الشقي. والمعنى عند أئمة التفسير: وجوه أقوام في ذلك اليوم ذليلة خاضعة قد علاها الهوان والصغار. وقد فسر السلف «الخشوع» هنا بالذلة والمهانة، وهو أصل معناه في اللغة؛ ومنه قوله تعالى: {خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ}. وقال بعض أهل التأويل: الخشوع هنا خشوع اضطرار لا خشوع اختيار؛ فإن الخشوع في الدنيا عبادة يُثاب عليها صاحبها، وهؤلاء لم يخشعوا في دار العمل فخشعوا في دار الجزاء حين لا ينفع الخشوع. وقرر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن المراد بهذه الوجوه وجوه أهل النار، وأن ذلها ظاهر عليها يوم القيامة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء تقديم مشهد الشقاء على مشهد النعيم موافقاً لمقتضى الحال؛ فالسورة مكية خطابها موجه في الأصل إلى مكذبين، والمكذب يحتاج إلى الزجر قبل الترغيب؛ ثم إن في تقديم مشهد النار ثم إتباعه بمشهد الجنة تخفيفاً للسامع وختماً بالأحسن؛ ولو عُكس الترتيب لبقي في النفس أثر الوعيد وحده. وتنكير {وُجُوهٌ} في المشهدين معاً يفيد أن التقسيم قائم على الأوصاف لا على الأسماء والأنساب؛ فليس المدار على من هم، بل على ما كانوا عليه.