وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ
وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ
هذا ثالث الأدلة؛ والمعنى: وأفلا ينظرون إلى الجبال كيف أُقيمت وثُبّتت على الأرض. و«النصب» عند أهل اللغة: الإقامة والتثبيت؛ فالجبال منصوبة أي مقامة قائمة راسية. وقد بيّن الله في مواضع أخرى وظيفة هذا النصب فقال: {وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ}، وقال: {وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا}؛ فدلّ على أن نصبها ليس مجرد ارتفاع بل تثبيت للأرض وحفظ لها من الاضطراب. وذكر الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن المعنى: كيف نُصبت على الأرض فثبتت. وفي اختيار الجبال بعد السماء انتقال من أعظم ما يُرى في العلوّ إلى أعظم ما يُرى على الأرض من الأجرام؛ فالمناسبة بينهما مناسبة الضخامة والثبات.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): التدرج في الأدلة الأربعة بلغ هنا موضعه الثالث؛ فبعد أن صعد البصر إلى السماء عاد ينزل إلى ما دونها فوقع على الجبال؛ ثم سينزل بعدها إلى الأرض المبسوطة تحت القدم. فالحركة في المقطع: من الإبل أمام الناظر، إلى السماء فوقه، إلى الجبال دونها، إلى الأرض تحته؛ وهي حركة تستوعب الجهات وتترك المخاطب محاطاً بالأدلة من كل ناحية لا يجد منها مخرجاً. وفي هذا الاستيعاب حجة على أن الغفلة عن هذه الآيات ليست لخفائها بل لإعراض الناظر.