إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ
إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ
هذه الآية موصولة بما بعدها في المعنى؛ والمعنى الراجح عند أهل التفسير: لكن من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر. وقد ذكروا في {إِلَّا} هنا وجوهاً: أشهرها أنها بمعنى «لكن» فيكون الاستثناء منقطعاً؛ والثاني أنها استثناء متصل من {عَلَيْهِم} على معنى: لست عليهم بمسيطر إلا من تولى وكفر فلك أن تسيطر عليه، وهذا قول من رأى أن السورة فيها ما نُسخ بآية القتال؛ والثالث أن الاستثناء من مقدّر؛ أي: فذكّر إلا من تولى فلا تنفعه الذكرى. والوجه الأول أرجح؛ لأن الفاء في {فَيُعَذِّبُهُ} بعده تدل على أن الجملة جواب لشرط متضمَّن في {مَن}، وأن المعنى منعقد على بيان مآل هذا المتولي لا على تسليط الرسول عليه. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية اختلاف أهل التأويل في ذلك. و«التولي» في اللسان: الإعراض والانصراف؛ ومنه «ولّى» إذا أدبر.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية لتسدّ باباً قد يُفتح بعد نفي السيطرة؛ فإن السامع قد يقول: فإن أعرضوا فما مصيرهم؟ فجاء البيان: أن مصيرهم إلى الله يعذبهم العذاب الأكبر. فالآية والتي بعدها جملة واحدة في المعنى لا تنفكّ إحداهما عن الأخرى. ثم إن الجمع بين {تَوَلَّىٰ} و{كَفَرَ} استيعاب لجهتي الإعراض: إعراض العمل وهو التولي، وإعراض القلب وهو الكفر؛ فمن جمعهما استحق ما ذُكر. وفي هذا المقطع تناسب مع مطلع السورة؛ فقد بُدئت بـ{هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ} وخُتمت ببيان من تغشاه بأشدّ ما فيها.