لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ
لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ
انتقل السياق من الشراب إلى الطعام؛ والمعنى: ليس لهؤلاء المعذبين قوت يقتاتونه إلا من هذا النبت الخبيث. وقد فسر جمهور أهل التأويل «الضريع» بأنه نوع من الشوك يُقال له «الشِّبْرِق» في حال رطوبته، فإذا يبس سُمي الضريع؛ وهو نبت لا ترعاه دابة لخبثه وقلة نفعه؛ نقل ذلك الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن جماعة من أهل التأويل. وقال بعضهم: الضريع شجر من نار. وقال آخرون: هو الحجارة. والقول الأول أشهر وأكثر ما عليه المفسرون؛ ويؤيده أن العرب كانت تعرف هذا النبت وتضرب به المثل في الخبث؛ فجاء الوصف بما يعرفونه ليتصوروا حقيقة العذاب. ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى في سورة الحاقة: {وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ}، وقوله في الدخان: {إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ}؛ لما سيأتي بيانه.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تمّ بهذه الآية استيعاب أركان العيش الثلاثة في مشهد العذاب: المكان وهو النار، والشراب وهي العين الآنية، والطعام وهو الضريع؛ فلم يبق للمعذَّب باب يلتمس منه راحة. وجاء أسلوب الحصر {لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا} لسدّ باب الاحتمال؛ إذ لو قيل «لهم طعام من ضريع» لجاز أن يكون لهم غيره؛ فجاء النفي والاستثناء ليقطع هذا الرجاء. وهذه الآية تمهيد ضروري للتي بعدها؛ إذ لما حُصر طعامهم في هذا النوع، احتيج إلى بيان أنه لا يؤدي وظيفة الطعام أصلاً؛ فجاء: {لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ}.