لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ
لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ
هذا تمام تحديد الوظيفة بنفي ما ليس منها؛ والمعنى: لست عليهم بمسلَّط تقهرهم على الإيمان وتجبرهم عليه. و«المصيطر» عند أهل اللغة: المسلَّط المتحكّم القاهر؛ وقيل: المتعهّد للشيء بالحفظ والكتابة والإحصاء؛ ومنه «السطر» لأن الكاتب يتعهد بالإحصاء. والمعنى الأول أشهر وأليق بالسياق. وقد ذكر البغوي في معالم التنزيل عند تفسير هذه الآية أن المعنى: لست بمسلَّط عليهم تجبرهم على الإيمان. ونظير هذه الآية قوله تعالى: {وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِجَبَّارٍ ۖ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ}، وقوله: {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}؛ فالمعنى مطّرد في القرآن: أن الرسل بلّغت ولم تُكره.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية مكمّلة للتي قبلها؛ فالحصر في {إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ} أثبت الوظيفة، وهذه نفت ما قد يُتوهم دخوله فيها. وهذا أسلوب محكم في التحديد: إثبات ثم نفي؛ فلا يبقى بعدهما احتمال. ثم إن هذا النفي مهّد للاستثناء بعده {إِلَّا مَن تَوَلَّىٰ وَكَفَرَ}؛ إذ لما نُفيت عنه السيطرة، بقي السؤال: فمن يتولى أمر هؤلاء المتولين الكافرين؟ فجاء الجواب في الآيتين بعده: أن الله يتولى تعذيبهم، وأن مرجعهم إليه وحسابهم عليه.