إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ
إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ
شرع في ختام السورة بتقرير الأصل الذي يقوم عليه كل ما تقدم؛ والمعنى: إن إلينا وحدنا مرجعهم بعد الموت، لا إلى غيرنا. و«الإياب» عند أهل اللغة: الرجوع؛ من «آب يؤوب أوباً وإياباً» إذا رجع؛ ومنه في الدعاء المأثور في السفر: «آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ»، وهو ثابت فيما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عمر رضي الله عنهما في دعاء الرجوع من السفر. وذكر أهل التفسير أن تقديم {إِلَيْنَا} على {إِيَابَهُمْ} يفيد الحصر؛ أي: لا مرجع لهم إلا إلينا. وأشار ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية إلى أن هذا التقديم مفيد للقصر، وأن فيه تسلية للنبي ﷺ وتهديداً للمعرضين. وفي هذه الآية جواب لما قد يخطر من سؤال: فإن لم يكن الرسول مسيطراً عليهم فمن يتولاهم؟ فكان الجواب: نحن.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تختم السورة بآيتين متلازمتين تقرران الأصل الذي بُنيت عليه كلها؛ فقد عُرض المشهدان ثم أُقيمت الأدلة ثم حُدّدت وظيفة الرسول؛ فبقي أن يُقرر من بيده الأمر ومن إليه المصير. وفي الترتيب دقة: قُدّم ذكر الإياب على ذكر الحساب؛ لأن الرجوع سابق على المحاسبة في الواقع؛ فجاء النظم على ترتيب الوقوع. ثم إن ذكر الإياب مناسب لختام سورة بُدئت بذكر الغاشية؛ فهي تغشى الخلق ثم يؤوبون إلى ربهم ثم يحاسبهم؛ فالسورة تسير من ابتداء اليوم إلى منتهاه.