عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ
عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ
هذا وصف ثانٍ لتلك الوجوه؛ والمعنى: أنها ذات عمل ونصب. وقد اختلف أهل التأويل في محل هذا العمل والنصب على قولين مشهورين: أحدهما ــ وهو قول جماعة من السلف ــ أن العمل والنصب في الآخرة؛ أي أنها تُكلَّف في النار من جرّ السلاسل وتسلق الصعود ومعالجة العذاب ما تنصب به وتتعب. والثاني ــ وعليه جمهور المفسرين ــ أن العمل والنصب كانا في الدنيا؛ فهي عملت ونصبت في عبادة باطلة أو دين محدَث لم يُشرع، فلم تجن من عملها إلا التعب؛ ويشهد له قوله تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا}، وقوله: {مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ۖ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ}. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية القولين عن أهل التأويل، وأورد فيهما آثاراً عن السلف. والقولان لا يتدافعان؛ إذ يصح أن يكون قد نصب في الدنيا بلا ثمرة ثم نصب في الآخرة بالعذاب؛ فيكون الجزاء من جنس العمل في الصورة مخالفاً له في الغاية.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تدرّج الوصف تدرجاً محكماً: بدأ بحالها الظاهرة {خَاشِعَةٌ}، ثم انتقل إلى سبب هذه الحال وما جرّها إليها {عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ}، ثم انتقل إلى مآلها {تَصْلَىٰ نَارًا حَامِيَةً}. فالآيات الثلاث بناء متصاعد: صورة، فعلة، فعاقبة. ويظهر أثر هذا النظم في مقابلته من مشهد النعيم؛ فقد جاء هناك: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ}؛ فقُوبل النصب بالرضا، والعمل بالسعي؛ ليتقرر أن الفريقين مشتركان في بذل الجهد، مفترقان في ثمرته.