فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ
فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ
انتقل الوصف من الماء إلى مجلس أهل الجنة وأثاثه؛ والمعنى: في تلك الجنة أسرّة عالية القدر رفيعة المكان. وذكر أهل التفسير في «المرفوعة» وجهين: رفعة حسية في ذاتها؛ أي عالية السمك بحيث يرى الجالس عليها ما حوله من ملكه ونعيمه؛ ورفعة في القدر والقيمة؛ أي نفيسة الصنعة. وقال بعض السلف: مرفوعة بعضها فوق بعض. والوجهان يجتمعان ولا يتنافيان. ونقل القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن المراد رفعها في الهواء، وأن الولي إذا أراد الجلوس عليها تواضعت له ثم ارتفعت به. ويشهد لمعنى العلوّ قوله تعالى في وصف أهل الجنة: {عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ}؛ فالتقابل يستدعي سعة المجلس وارتفاع المقاعد.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتظم في الآيات الأربع الأخيرة من مشهد النعيم وصف مجلس كامل الأثاث: السرر للجلوس، والأكواب للشراب، والنمارق للاتكاء، والزرابي للفرش. وهذا الترتيب موافق لترتيب ما يُبنى عليه المجلس في العادة: يُبدأ بالمقاعد، ثم بما يُقدَّم فيها، ثم بما يُستند إليه، ثم بما يُبسط تحته. وفي هذا الاستيعاب مقابلة دقيقة لمشهد الشقاء؛ إذ استوعب هناك ذكر النار والشراب والطعام، فاستُوعب هنا ذكر المكان والشراب والمجلس؛ فكل فريق أُحيط بما يليق بحاله من كل جهة.