صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ
صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ
هذا تعيين للصحف المبهمة في الآية قبلها؛ أي: صحف إبراهيم وموسى عليهما السلام. وخُصّا بالذكر من بين الأنبياء لعلوّ منزلتهما وشهرة أمرهما عند العرب وأهل الكتاب جميعاً؛ فإبراهيم أبو الأنبياء وإمام الحنفاء والعرب تنتسب إليه وتفتخر بذلك، وموسى صاحب التوراة التي هي أشهر الكتب المنزلة قبل القرآن وأوسعها أحكاماً. ولم يفصّل الله في هذه السورة ما في تلك الصحف، وإنما أشار إلى موافقتها لما تقرر ههنا. وقد ذُكر شيء من مضمون صحفهما في موضع آخر من القرآن؛ قال سبحانه في سورة النجم: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ * وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ}؛ فذكر من مضمونها تقرير المسؤولية الفردية وارتباط الجزاء بالسعي؛ وهو من جنس ما قررته سورة الأعلى من ارتباط الفلاح بالتزكي. ونقل ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن المراد الصحف المنزلة عليهما.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء البيان بعد الإبهام على الطريقة التي جرت عليها هذه السور؛ فذُكرت «الصحف الأولى» مبهمة ثم عُيّنت؛ وفي ذلك تشويق ثم تحقيق. وفي تقديم إبراهيم على موسى ــ مع أن ترتيب الآية السابقة يقتضي البدء بالأقدم ــ مراعاة للأمرين معاً: فهو الأقدم زماناً وهو الأعلى منزلة وهو أبو العرب المخاطبين؛ فاجتمع في تقديمه مقتضى التاريخ ومقتضى المقام. وموقع هذه الآية من السورة موقع الخاتمة التي تشدّ البناء كله؛ فقد ختمت السورة بذكر نبيين عظيمين، وختمت بفاصلة على الألف المقصورة كسائر فواصلها؛ فتمّ الاتساق الصوتي والمعنوي معاً. ثم إن ختام السورة بذكر الصحف يقابل ما في مطلعها من الأمر بتسبيح اسم الرب الأعلى؛ فالأول تكليف والأخير سند، وبينهما تفصيل الطريق.