إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ
إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ
هذا تعليل ثانٍ يكشف الأصل الاعتقادي الذي انبنى عليه سلوكه؛ والمعنى: إنه اعتقد وحسب أن لن يرجع إلى ربه ولن يُبعث بعد موته. و«الحَور» في اللسان العربي: الرجوع؛ ومنه قولهم: «حار بعد ما كار»، أي رجع بعد أن تقدم. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل أن معنى {يَحُورَ}: يرجع، وأنه كان يظن ألا رجوع له إلى الله. ومما يبين هذه المادة اللغوية ما جرى على ألسنة العرب من قولهم: «نعوذ بالله من الحور بعد الكور»، أي من الرجوع والنقصان بعد التمام والزيادة؛ فدلّ على أن «الحور» معروف في كلامهم بهذا المعنى.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تلاحق التعليلان: {إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا} ثم {إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ}؛ وترتيبهما على هذا النحو مقصود؛ إذ ذُكر الأثر الظاهر أولاً ــ وهو البطر والانغماس ــ ثم ذُكر جذره الخفي ــ وهو إنكار الرجوع؛ فسار البيان من المشاهد إلى الباطن، وهو مسلك يوافق طريقة التشخيص: يُذكر العَرَض ثم تُكشف العلة. ثم إن هذه الآية تُقابل ما تقدم في مطلع السورة من قوله {إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ}؛ فهي إنكار صريح لما قررته تلك الآية؛ فكان في وضعها هنا ردّ الدعوى بعد إثباتها.