وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ
وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ
كرّر الله سبحانه في شأن الأرض ما ذكره في شأن السماء بلفظه؛ فالمعنى: واستمعت الأرض لأمر ربها وأطاعت فيما أُمرت به من المدّ والإلقاء والتخلّي، وحُقَّ لها أن تسمع وتطيع؛ إذ هي مربوبة مسخّرة لا خيرة لها. ونقل أهل التأويل ــ كما في جامع البيان للطبري عند تفسير هذه الآية ــ أن معنى إذنها كمعنى إذن السماء سواء، وأن التكرار لتقرير المعنى في الجرمين جميعاً. وأشار ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية إلى أن إعادة الجملة بنصها في الموضعين من مقتضيات النظم في هذه السورة؛ إذ يُراد إحداث تماثل تام بين مشهدي العلو والسفل، ليخلص منه إلى أن الكون كله على وتيرة واحدة في الانقياد.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موقع هذه الآية من السورة موقع الخاتمة من المقطع الأول؛ فبها يُغلق مشهد الكون وتُسلّم القضية إلى مشهد الإنسان. وفي إعادة الجملة بحروفها بناء لنسق متوازٍ محكم: مشهدٌ علوي ينتهي بـ{وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ}، ومشهدٌ سفلي ينتهي بالجملة نفسها؛ فيتقرر في النفس أن حكم الجرمين واحد وأن الطاعة قانون لا استثناء فيه. فإذا استقر هذا جاء النداء بعده: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ}؛ فوقع موقع الاستدراك على هذا النسق المطّرد؛ إذ الإنسان هو الموضع الوحيد الذي يقع فيه الامتناع، وهو أضعف ما في الكون خلقاً.