وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ
هذا شروع في القسم الثاني من التفصيل؛ والمعنى: وأما من أُعطي صحيفة أعماله من جهة ظهره. وقد جاء في مواضع أخر من القرآن أنه يُؤتاه بشماله: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ}. وجمع أهل التأويل بين الموضعين ــ كما نقله الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية، وذكره القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسيرها ــ بأن يده اليسرى تُغلّ إلى عنقه وتُخلع كتفه فتُدار من وراء ظهره، فيأخذ كتابه بشماله من وراء ظهره؛ فتصدق الآيتان جميعاً؛ وقيل: تُجعل يده اليمنى في عنقه وتُجعل شماله وراء ظهره. وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن هذا من تمام الإهانة؛ إذ يؤتى الكتاب من جهة لا يُؤتى منها في العادة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا القسم مقابلاً للأول في البناء اللفظي حرفاً بحرف: {مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ} في الموضعين، ثم افترق الوصف: {بِيَمِينِهِ} هناك و{وَرَاءَ ظَهْرِهِ} هنا؛ وهذا التماثل في المقدمة والافتراق في القيد أدلّ على أن مناط الفرق هو جهة التسليم لا نفس التسليم؛ فالكل يُعطى كتابه، وإنما تفترق الأحوال في الكيفية. ثم إن العدول عن «بشماله» إلى {وَرَاءَ ظَهْرِهِ} في هذا السياق بعينه مناسب لمقام السورة؛ إذ السورة كلها في الإعراض والاستدبار: أعرضوا عن القرآن فلم يسجدوا، واستدبروا الحق فكذبوا؛ فناسب أن يأتيهم الكتاب من جهة الاستدبار.