وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ
وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ
بيّن الله سبحانه أن انشقاق السماء ليس تمزقاً عن قهر مجرد، بل عن سمع وطاعة وانقياد. والمعنى عند جمهور المفسرين: استمعت لأمر ربها وأطاعت وانقادت لما أُمرت به من الانشقاق؛ من قولهم: «أذِن للشيء» إذا استمع له، ومنه في الحديث: «ما أَذِنَ الله لشيء ما أَذِنَ لنبي يتغنى بالقرآن»، أي ما استمع. وقوله {وَحُقَّتْ} فسّره أهل التأويل بوجهين متقاربين نقلهما الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية: أحدهما أن معناه: وحُقَّ لها أن تسمع وتطيع، أي هي جديرة بذلك حقيقة به؛ والثاني أنها أُلزمت الحق وأُخذ عليها ميثاق الطاعة فلزمها. وأشار ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية إلى أن في اختيار لفظ «الإذن» ــ وهو من أفعال ذوي العقول ــ تنبيهاً على أن الجمادات في هذا اليوم تُعامل معاملة العقلاء المكلفين في الاستجابة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا التذييل عقب الانشقاق ليمنع أن يُفهم المشهد على أنه فوضى كونية أو خروج عن التدبير؛ فبيّن أن الانتقاض نفسه واقع بأمر مطاع، وأن السماء في حال انصداعها أشد ما تكون انقياداً. ثم إن ذكر وصف الربوبية {لِرَبِّهَا} دون سائر الأسماء مقصود؛ لأن الرب هو المالك المدبّر، وطاعة المربوب لمن ربّاه ودبّره مقتضى العقل قبل الشرع. وموقع الجملة من السورة كلها موقع الأصل من الفرع؛ إذ ستُعرض بعد قليل حال الإنسان الذي أُوتي العقل فأبى الانقياد، فيقع التقابل بين مصغٍ مطيع بلا عقل، ومعرضٍ ممتنع مع العقل.