لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ
لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ
هذا جواب القسم المتقدم؛ والمعنى: لتلاقنّ أيها الناس حالاً بعد حال، ومنزلة بعد منزلة، وشدة بعد شدة، من الدنيا إلى الموت إلى البرزخ إلى البعث إلى الموقف إلى المصير. وقد ثبت تفسير هذه الآية عن ترجمان القرآن؛ فقد ذكر البخاري في صحيحه في كتاب تفسير القرآن عند تفسير سورة الانشقاق قول ابن عباس رضي الله عنهما في قوله {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ}: «حَالًا بَعْدَ حَالٍ»، وقال: «هَذَا نَبِيُّكُمْ ﷺ». ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أقوال أهل التأويل في ذلك: فمنهم من قال: منزلاً بعد منزل وأمراً بعد أمر؛ ومنهم من قال: الشدائد ثم الموت ثم البعث؛ ومنهم من فسّره بأطوار خلق الإنسان: نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً ثم لحماً ثم خلقاً آخر. وهذه الأقوال متقاربة يجمعها معنى التدرج في الأطوار. وفي الآية قراءتان متواترتان: {لَتَرْكَبُنَّ} بضم الباء على خطاب الجمع، وهي قراءة الجمهور؛ و{لَتَرْكَبَنَّ} بفتح الباء على خطاب المفرد، وهي قراءة ابن كثير وحمزة والكسائي، والخطاب فيها للنبي ﷺ أو لكل واحد على وجه العموم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): وقع الجواب موقعه من الأقسام الثلاثة وقوعاً محكماً؛ فالشفق طور بين نهار وليل، والليل طور جامع، والقمر متدرج إلى الاتساق؛ فكل مقسم به فيه انتقال من حال إلى حال، والمقسم عليه ركوب الإنسان طبقاً عن طبق. فالقسم هنا ليس مجرد توكيد بل هو الدليل نفسه معروضاً في صورة يمين؛ وهذا من أخص خصائص القسم القرآني. ثم إن هذا الجواب يربط المقطع الثالث بالمقطع الثاني؛ فقد تقدم قوله {إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ}؛ فبيّنت هذه الآية أن ذلك الكدح ليس على وتيرة واحدة بل هو مراحل متعاقبة تنتهي إلى الملاقاة.