وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ
وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ
هذا ثالث المقسم به؛ والمعنى: وأقسم بالقمر إذا اجتمع نوره وتكامل واستوى فصار بدراً. و«الاتساق» من المادة نفسها التي منها «الوَسْق»؛ فمعناه الانتظام والاجتماع والاستواء؛ ومنه قولهم: «اتسق الأمر» إذا انتظم واستقام. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل أن معنى {اتَّسَقَ}: استوى وتكامل واجتمع ضوؤه، وذلك في ليالي إبداره. وذكر البغوي في معالم التنزيل عند تفسير هذه الآية أن الاتساق تمام النور واستواؤه بعد نقصانه في أول الشهر. وأشار ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية إلى أن مجيء {إِذَا} في هذا المقسم به دون سابقيه مقصود؛ لأن القمر لا يكون متسقاً في كل حال، بخلاف الشفق والليل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تجلّت في هذا المقسم به الحكمة التي من أجلها سيقت الأقسام الثلاثة؛ فالقمر لا يبلغ اتساقه إلا بعد تدرج في مراحل: محاق، ثم هلال، ثم تزايد ليلة بعد ليلة، حتى يستوي بدراً، ثم يأخذ في النقصان؛ وهذا هو عين ما سيُقسَم عليه: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ}. ثم إن ربط اللفظين {وَسَقَ} و{اتَّسَقَ} بمادة واحدة يجعل بين الآيتين لحمة صوتية ودلالية: الليل يجمع الخلق، والقمر يجمع نوره؛ فالجمع سنة سارية في الظرف وفي المظروف.