وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ
وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ
هذا بيان لما يصاحب مدّ الأرض من إخراج ما في جوفها. والمعنى عند أئمة التأويل: رمت بما في بطنها من الأموات فأخرجتهم أحياءً، ومن الكنوز والدفائن فأبرزتها، حتى تفرغ فلا يبقى في جوفها شيء. وقد جاء هذا المعنى في مواضع من القرآن يفسّر بعضها بعضاً: {وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا}، و{وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ}. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل أن {مَا فِيهَا} يعم الموتى والكنوز جميعاً، وأن {تَخَلَّتْ} معناه: خلت وفرغت مما كان فيها فلم يبق في بطنها شيء. وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن الأرض تلقي ما في بطنها من الموتى ثم تتخلى منهم فتصير خالية، وأن هذا مما يظهر به عدل الله في إحضار الخلائق للحساب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الإلقاء بعد المدّ ترتيباً على حسب الوقوع؛ إذ لا يستوي إخراج ما في الجوف إلا بعد دكّ الجبال وتسوية السطح. ثم إن ذكر التخلّي بعد الإلقاء تتميم بديع: فالإلقاء يفيد إخراج الموجود، والتخلّي يفيد الاستقصاء في ذلك حتى لا يبقى شيء البتة؛ ولو اقتصر على الأول لجاز أن يُتوهم بقاء بعض من لم يخرج. وهذا الاستقصاء هو المقصود في المقام؛ لأن السورة تقرر عموم الحشر واستيعابه لكل من ووري في الأرض، تمهيداً لقوله {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ}؛ فالملاقاة لا يُستثنى منها أحد.