وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ ۩
وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ ۩
هذا بيان لصورة من صور إعراضهم؛ والمعنى: وإذا تُلي عليهم كتاب الله لم يخضعوا ولم يسجدوا استجابة له، بل قابلوه بالجمود والإعراض. وهذا الموضع من مواضع سجود التلاوة؛ وقد ثبتت السنة بالسجود فيه؛ فقد جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سجدنا مع رسول الله ﷺ في {إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ} و{اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}. ونقل القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن السجود هنا هو سجود التلاوة عند جمهور أهل العلم، وأن معنى الآية ذمّهم على تركه؛ وذكر خلاف الفقهاء في حكم سجود التلاوة بين السنية والوجوب، وأن الجمهور على أنه سنة مؤكدة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية مفصّلة لما أُجمل في التي قبلها؛ فقد استُنكر عليهم مطلق عدم الإيمان، ثم ذُكرت أخصّ صوره وأدلّها على قسوة القلب: ألا يتحرك القلب ولا الجوارح عند سماع كلام الله. ووجه اختيار السجود من بين آثار الإيمان: أنه أظهر علامات الخضوع في الحسّ؛ فإذا انتفى انتفى ما دونه من الانقياد الباطن. ثم إن في هذا الموضع لطيفة تربط آخر السورة بأولها: فقد افتُتحت السورة بانقياد السماء والأرض لربهما، وخُتمت باستنكار امتناع الإنسان عن السجود؛ فتقابل انقياد الجماد وامتناع المكلف؛ وهو المحور الذي دارت عليه السورة كلها.