فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا
فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا
هذا جواب {أَمَّا}؛ والمعنى: فسوف يُحاسبه الله حساباً سهلاً هيّناً لا مناقشة فيه ولا تعسير. وقد جاء تفسير هذا اليسر بنص من السنة الصحيحة؛ فقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ». قالت: فقلت: أليس قد قال الله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا}؟ فقال: «لَيْسَ ذَاكِ الْحِسَابَ، إِنَّمَا ذَاكِ الْعَرْضُ؛ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ». فبيّن ﷺ أن الحساب اليسير هو العرض المجرد: يُعرض على العبد عمله فيقرّ به ثم يُتجاوز له عنه، لا المناقشة والاستقصاء. ونقل ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية هذا الحديث في بيان معنى اليسر، وذكر أن من نُوقش الحساب لم يبق له عذر ولا حجة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): رُتّب اليسر في الحساب على إيتاء الكتاب باليمين بالفاء الدالة على السببية؛ فالعلامة الأولى مقدمة والنتيجة تابعة لها. وجاء التعبير بـ{سَوْفَ} مع أن الحديث عن يوم القيامة الذي هو غاية البعد؛ وفي ذلك موافقة لمقام التبشير؛ إذ الوعد بالخير إذا قُرن بالتنفيس أورث انتظاراً محبباً، بخلاف ما لو جيء بلفظ يفيد الفور. ثم إن هذا الجواب مهّد للآية بعده {وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا}؛ فبُني المشهد على ثلاث مراحل متعاقبة: تسلّم الصحيفة، ثم يسر المحاسبة، ثم الانصراف مسروراً؛ وهو ترتيب يطابق ما يقع في مجالس القضاء عند الشاهد.