وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ
وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ
انتقل السياق من العالم العلوي إلى العالم السفلي، فأخبر عن الأرض أنها تُمدّ يوم القيامة. والمعنى عند أهل التأويل: بُسطت وسُوّيت ووُسّعت ودُكّت جبالها وآكامها حتى تصير قاعاً صفصفاً لا عوج فيها ولا أمت؛ فتُمدّ مدّ الأديم العكاظي، أي تُبسط بسطاً لا تبقى معه ربوة ولا وهدة. وهذا موافق لما جاء في مواضع أخر من القرآن: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا}. ونقل القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية عن أهل العلم أن حكمة هذا المدّ اتساعها لأهل الموقف؛ إذ يُحشر الأولون والآخرون في صعيد واحد، فلا تسعهم إلا بعد بسطها وتسويتها. وذكر البغوي في معالم التنزيل عند تفسير الآية أن المدّ يكون بزيادة في سعتها كما يُمدّ الشيء فيزداد طولاً وعرضاً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء ذكر الأرض بعد السماء على الترتيب المعهود في القرآن في تعداد الآيات الكونية: العلوي ثم السفلي؛ ليستوفي المشهد جهتي عالم الإنسان الذي يعيش بينهما. ثم إن الفعل المسند إلى السماء {انشَقَّتْ} جاء بصيغة المطاوعة، والفعل المسند إلى الأرض {مُدَّتْ} جاء مبنياً للمجهول؛ وفي هذا التنويع دقة: فالسماء صُوّرت قابلةً منفعلة، والأرض صُوّرت مفعولاً بها ممدودة بيد القدرة؛ فاجتمع في المشهد وجها التسليم: قبولٌ من هذه، وتسخيرٌ لهذه. وهذا التمهيد كله يخدم غاية واحدة: تهيئة المسرح الذي يقف عليه الإنسان المخاطب في الآية السادسة.