وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ
وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ
عطف على القسم الأول قسماً ثانياً؛ والمعنى: وأقسم بالليل وما جمعه وضمّه وستره من الدواب والهوامّ والناس الذين يأوون إلى مساكنهم عند إقباله. و«الوَسْق» عند أهل اللغة: الجمع والضم؛ ومنه «الوَسْق» للحمل المجموع، ومنه «استوسقت الإبل» إذا اجتمعت وانضمت. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل أن معنى {وَمَا وَسَقَ}: وما جمع وضمّ وحوى؛ وقيل: وما ساق من ظلمة إلى ظلمة. وذكر ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية أن إبهام {مَا} مقصود ليعمّ كل ما يجمعه الليل من الأحياء والأشياء، إذ لا يُحصى ذلك.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء الليل ثانياً بعد الشفق مراعاةً للترتيب الزمني الواقع في الأفق: شفقٌ ثم ليل ثم قمر متسق؛ فالمشهد يتحرك أمام الناظر حركة متدرجة لا قفز فيها. وفي هذا التدرج نفسه دليل على المقسم عليه؛ إذ يرى السامع بعينه انتقال الأفق من حال إلى حال، فيسهل عليه تصديق قوله {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ}. ثم إن ذكر «ما وسق» بعد «الليل» يوسّع دائرة المقسم به من الزمان إلى ما يحويه الزمان من الخلق؛ فصار القسم عامّاً في الظرف وفيمن فيه.