فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ
فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ
افتتح الله سبحانه مقطعاً جديداً بالقسم؛ والمعنى: أقسم بالشفق؛ و«لا» عند جمهور المفسرين زائدة للتوكيد، أو نافية لكلام مقدر أي: لا صحة لما يقوله المكذبون، ثم استؤنف القسم. و«الشفق» عند جمهور أهل التفسير واللغة: الحمرة التي تُرى في الأفق الغربي بعد غروب الشمس؛ وقال بعضهم: هو البياض الذي يبقى بعد الحمرة. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أقوال أهل التأويل في ذلك، وأن أشهرها الحمرة. ولهذا الخلاف أثر فقهي معروف في تحديد أول وقت العشاء؛ فمن قال إن الشفق الحمرة جعل دخول العشاء بمغيبها، وهو قول جمهور الفقهاء؛ ومن قال هو البياض أخّر دخول الوقت إلى مغيبه. وذكر القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية هذا الخلاف وبنى عليه المسألة الفقهية.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل السياق من تقرير المصير إلى الاستدلال عليه بأطوار الكون؛ وهذا انتقال محكم؛ إذ سبق في المقطع الأول ذكر انتقاض الكون عند الساعة، وجاء هنا ذكر انتظام الكون في دورته اليومية؛ فاجتمع الدليلان: دليل النقض ودليل الاطراد. ثم إن اختيار «الشفق» أول المقسم به مقصود؛ فهو الطور الفاصل بين النهار والليل، أي حال بينية لا هي نهار خالص ولا ليل خالص؛ وهذا هو عين المعنى الذي سيُقسَم عليه: {لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ}؛ فالمقسم به شاهد على المقسم عليه لا مجرد معظَّم به.