فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا
فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا
هذا جواب {أَمَّا} الثانية؛ والمعنى: فسوف ينادي على نفسه بالهلاك ويصيح: واثبوراه، وا هلاكاه. و«الثبور» عند أهل التأويل: الهلاك والخسران والويل. وقد جاء نظير هذا المشهد في القرآن مفصّلاً: {دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لَّا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا}؛ فبيّن أن دعاءهم بالثبور لا ينفعهم ولا ينقطع. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل أن الثبور هو الويل والهلاك، وأن العرب تقول: «ثبر الله فلاناً» أي أهلكه. وأشار ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية إلى أن دعاء الثبور من عادة العرب عند نزول المصيبة الفادحة، فجاء التعبير به مطابقاً لما يعرفونه من مظاهر الجزع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): قوبل {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} بـ{فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا}؛ فاتحدت الصيغة في الطرفين: الفاء ثم {سَوْفَ} ثم فعل مضارع ثم منصوب بعده؛ وهذا التماثل الصارم في البناء يجعل الافتراق في المعنى أشد وقعاً. ثم إن مقابلة «الحساب اليسير» بـ«دعاء الثبور» فيها لطيفة: فالأول لم يُذكر معه كلام العبد لأنه في مقام الرضا والسكينة، والثاني ذُكر فيه صياحه لأنه في مقام الجزع؛ فالسكوت في موضعه أبلغ من النطق، والنطق في موضعه أدلّ على الحال.