إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا
إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا
هذا تعليل لما نزل بالفريق الثاني؛ والمعنى: إنه كان في الدنيا بين أهله وعشيرته فرِحاً بطراً منعّماً، لا يهمّه إلا لذته، معرضاً عن ذكر الآخرة والاستعداد لها. ونقل القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن المراد سروره بما هو عليه من الكفر والمعاصي واتباع الشهوات، لا مطلق السرور؛ إذ ليس الفرح المباح بمذموم. وذكر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن سروره كان بما آتاه الله من الدنيا مع غفلته عن المنعم، فلم يشكر ولم ينظر في العاقبة؛ وهذا هو الفرح المذموم في القرآن: {لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ}.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء التعليل بعد ذكر الجزاء ليُعلم أن العقوبة لم تقع اعتباطاً؛ فرُتّبت المقدمات على النتائج ترتيباً معكوساً: ذُكرت النتيجة أولاً لتقع في النفس موقعها، ثم ذُكر سببها ليستقر العدل. ثم إن أشد ما في هذا الموضع من صنعة النظم أن لفظ {مَسْرُورًا} هو بعينه اللفظ الذي وُصف به الفريق الأول: {وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا}؛ فاتحد اللفظ ومحلّ الظرف ــ {فِي أَهْلِهِ} و{إِلَىٰ أَهْلِهِ} ــ واختلف الزمن اختلافاً يقلب الحكم رأساً على عقب: سرور مؤجل بعد النجاة، وسرور معجّل قبل الهلاك؛ فتقرر أن العبرة بموقع السرور من الحياة لا بذاته.