فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ
فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ
شرع السياق في تفصيل ما أُجمل في الملاقاة، فبدأ بالفريق الأول. والمعنى: فأما من أُعطي صحيفة أعماله بيده اليمنى يوم القيامة. وقد جاء في القرآن ما يبين هذا المشهد ويوسعه: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ}. ونقل القرطبي في الجامع لأحكام القرآن عند تفسير هذه الآية أن إيتاء الكتاب باليمين علامة السعادة والقبول، وأن ذلك أول ما يُبشَّر به العبد في الموقف قبل أن يبلغ الميزان والصراط. وأشار ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية إلى أن اليمين في عرف العرب موضع التكريم والتيمن، وأن التعبير بها جارٍ على ما ألفوه من دلالة الجهة على المنزلة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء التفصيل بـ{أَمَّا} بعد الإجمال في {فَمُلَاقِيهِ}؛ وهذا من أحكم طرائق البيان: تُجمل الحقيقة أولاً لتستقر، ثم تُفصّل ثانياً لتُفهم. وقُدّم فريق اليمين على فريق الشمال في هذه السورة وفي غيرها من مواضع التفصيل؛ لأن مقام القرآن في تقرير البعث مقام دعوة قبل أن يكون مقام تخويف؛ فيُبدأ بالبشرى ترغيباً، ثم يُذكر ضدها ترهيباً. ثم إن تقديم ذكر الكتاب على ذكر الحساب في هذا النظم مقصود؛ إذ الصحيفة هي أول ما يُواجَه به العبد، فمنها يعلم مآله قبل أن يُناقش.