يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ
يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ
هذا جواب ما تقدم من الشرط في تقدير كثير من المفسرين، أو استئناف يفيد ما دلّ عليه الجواب المحذوف. والمعنى عند أهل التأويل: يا أيها الإنسان إنك عامل عملاً وساعٍ سعياً في هذه الحياة بجهد ومشقة، منتهياً إلى ربك، فملاقٍ ذلك العمل وملاقٍ ربك فمجازيك به. و«الكدح» في تفسير السلف: العمل والسعي والاجتهاد والنصب؛ ونُقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أن معناه: عاملٌ عملاً. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية عن أهل التأويل قولين في مرجع الهاء في {فَمُلَاقِيهِ}: أحدهما أنها عائدة على الكدح، أي فملاقٍ عملك خيراً كان أو شراً؛ والثاني أنها عائدة على الرب سبحانه، أي فملاقٍ ربك. وذكر ابن كثير في تفسير القرآن العظيم عند تفسير هذه الآية أن القولين متلازمان؛ إذ لقاء الرب يستلزم عرض العمل، وعرض العمل لا يكون إلا عند لقائه. وأشار ابن عاشور في التحرير والتنوير عند تفسير هذه الآية إلى أن تعريف {الْإِنسَانُ} تعريف الجنس، فالخطاب عام لكل مكلف، وليس مقصوراً على مكذبي قريش وإن كانوا أول من قُصد به.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل الخطاب من الغيبة في مشهد السماء والأرض إلى النداء المباشر؛ وهذا الالتفات يقع من النفس موقع اليد التي تمسك بالكتف عند الغفلة. ووجه اتصاله بما قبله: أن السماء والأرض ــ وهما ما هما في العظم ــ أصغتا وانقادتا؛ فأنت أيها الإنسان الصغير في جنبهما مقهور على السعي إلى ربك شئت أم أبيت، ومنتهٍ إلى لقائه لا محالة؛ فأي معنى لاستكبارك. ثم إن ذكر «الكدح» عقب مشاهد الانتقاض الكوني يضع حياة الإنسان كلها في موضعها الصحيح من الصورة: رحلة قصيرة شاقة تنتهي عند الموقف الذي مُهّد له بمدّ الأرض وانشقاق السماء.