وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
هذه الآية أصل في تشريع الفيء وتمييزه عن الغنيمة. أخرج البخاري في "صحيحه"، كتاب فرض الخمس، وأخرج مسلم في "صحيحه"، كتاب الجهاد والسير، باب حكم الفيء، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ خاصة، ينفق على أهله نفقة سنته، ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله. وقرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السادسة من سورة الحشر، أن المعنى: ما ردّ الله على رسوله من أموال بني النضير فلم تنالوه بقتال ولا معاناة سفر، وإنما سلّط الله رسوله عليهم فأخذه بغير حرب. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن الفقهاء بنوا على هذه الآية والتي بعدها التفريق بين الغنيمة التي تُخمَّس ويُقسم أربعة أخماسها للمقاتلة، وبين الفيء الذي تتولاه ولاية الإمام على المصارف المذكورة. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية السادسة من السورة، إلى أن التعبير بـ{أَفَاءَ} يتضمن معنى الرجوع، كأن المال كان حقاً للمؤمنين في الأصل فرجع إليهم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل السياق بهذه الآية من عرض الوقعة إلى ترتيب آثارها المالية؛ فبعد أن تقرر أن الإخراج كان بفعل الله، لزم أن يكون المال المترتب عليه خاضعاً لحكم الله لا لقسمة المقاتلين. وموقع الآية قبل التي تليها موقع التأصيل قبل التفصيل: هذه تنفي وصف الغنيمة، والتي بعدها تثبت المصارف. وقد ربطت الآية بين مقدمة السورة وخاتمة هذا المقطع بأداة واحدة هي إسناد الفعل إلى الله: {أَخْرَجَ} في الثانية، {أَفَاءَ} و{يُسَلِّطُ} هنا؛ فاستقام النظم على محور واحد هو أن التدبير كله لله، ولذلك كان التوزيع بأمره.