يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ
افتتح بهذه الآية المقطع الأخير. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثامنة عشرة من سورة الحشر، أن المعنى: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله، خافوا الله وراقبوه، ولتنظر كل نفس ما قدمت من عمل صالح ليوم القيامة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن تكرار الأمر بالتقوى مرتين للتوكيد والاعتناء، وأن قوله {لِغَدٍ} تصغير لأمد الدنيا وتقريب للآخرة؛ إذ ما هو آتٍ قريب. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن تنكير {نَفْسٌ} يفيد التعميم في كل نفس مع إشعار بالتقليل؛ أي فلتنظر نفس واحدة ولو كانت هي نفسك أنت. ونقل عن جماعة من السلف أن هذه الآية أصل في محاسبة النفس. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثامنة عشرة من السورة، إلى أن التعبير بـ{غَدٍ} دون "الآخرة" أو "يوم القيامة" استعارة لطيفة تجعل الآخرة كأنها اليوم التالي مباشرة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): انتقل الخطاب في هذه الآية من الحديث عن الأعداء إلى مخاطبة المؤمنين؛ وهذا الانتقال هو مفتاح المقطع الرابع. ووجه المناسبة أن السورة عرضت مصارع الغافلين ومآلات الظالمين، فكان المقتضى أن تتوجه إلى المؤمنين بالتحذير من الغفلة نفسها. وموقع الأمر بالنظر في العمل بعد الأمر بالتقوى دقيق؛ فالتقوى إجمال والنظر تفصيل، والتقوى باعث والمحاسبة أثر. ثم إن الآية التالية {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ} تمثل النهي المقابل للأمر هنا؛ فهذه أمرت بالنظر وتلك نهت عن النسيان، والنظر والنسيان ضدان. وبهذا التقابل يستقيم بناء المقطع على محور واحد هو حضور القلب أمام الله.