كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ۖ ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ۖ ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
هذه الآية أول المثلين اللذين ختم بهما المقطع. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الخامسة عشرة من سورة الحشر، أن أهل التأويل اختلفوا في المراد بـ{الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا}؛ فقيل: هم بنو قينقاع من يهود المدينة، أُجلوا قبل بني النضير بمدة يسيرة، وقيل: هم مشركو قريش الذين ذاقوا وبال أمرهم يوم بدر. ورجّح جماعة من المفسرين القول الأول لدلالة لفظ {قَرِيبًا} على قرب الزمان ولاتحاد الحال بين الطائفتين. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن كلا القولين له وجه، وأن المعنى الجامع أن سنة الله في ناقضي العهد واحدة. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {وَبَالَ أَمْرِهِمْ} هو سوء عاقبته وثقل عقوبته، وأن ذكر عذاب الآخرة بعده يفيد أن ما نالهم في الدنيا ليس نهاية الحساب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): موقع هذه الآية بعد وصف حال المنافقين واليهود موقع إقامة الشاهد التاريخي؛ فبعد التشخيص النفسي جاء البرهان الواقعي القريب. وحسن التمثيل بحادثة قريبة لا بعيدة، لأن الحجة بالقريب أقطع وأدعى لأن يُصدَّق. ثم إنها تمهد للمثل الثاني في الآية التالية؛ فالأول مثل من عالم الشهادة والثاني من عالم الغيب، والأول يبين النتيجة والثاني يبين الآلية. وقد ربطت الآية بين ذوق الوبال في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة على النسق نفسه الذي ورد في الآية الثالثة من السورة: {لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ}؛ فتكرر البناء ليتقرر المعنى.