مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ
مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ
نزلت هذه الآية فاصلة في نزاع وقع أثناء الحصار. أخرج البخاري في "صحيحه"، كتاب المغازي، باب حديث بني النضير، وأخرج مسلم في "صحيحه"، كتاب الجهاد والسير، باب جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ حرّق نخل بني النضير وقطع، وهي البويرة، فأنزل الله: {مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ}. وذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الخامسة من سورة الحشر، أن اليهود عابوا على المسلمين قطع النخل وقالوا: كنت تنهى عن الفساد فما بال قطع النخل؟ ووجد بعض المسلمين في أنفسهم من ذلك، فنزلت الآية مبينة أن القطع والترك كليهما بإذن الله. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن فيها دليلاً على جواز الإفساد في بلاد العدو إذا كان فيه نكاية وإرغام لهم. واختلف أهل التأويل في "اللينة" كما نقل القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية؛ فقيل: كل نخل سوى العجوة، وقيل: هي ألوان النخل كلها، وقيل: النخلة الكريمة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية خاتمة للمقطع الأول، ووظيفتها رفع إشكال عملي عرض في أثناء الوقعة. وقد تدرج النظم في المقطع كله على هذا النحو: تسبيح عام، ثم إخراج، ثم بيان أن الجلاء تخفيف، ثم تعليل بالمشاقّة، ثم فصل في جزئية عملية تولّد عنها اضطراب في نفوس المؤمنين. وهذا الترتيب يكشف عناية القرآن بأن لا يترك في نفوس المؤمنين غبشاً بعد الحدث. ثم إن ختم الآية بـ{وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} تمهيد للآية التالية التي تفتتح بذكر ما أفاء الله على رسوله؛ فالخزي في المعنى والغنيمة في الأثر نتيجتان لحادثة واحدة.