وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ
وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ
هذه الحلقة الثالثة، وفيها ذكر اللاحقين إلى يوم القيامة. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية العاشرة من سورة الحشر، أن {الَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ} هم من جاء بعد المهاجرين والأنصار من المؤمنين إلى قيام الساعة، يدعون لمن سبقهم بالمغفرة ويسألون الله سلامة قلوبهم من الغل عليهم. وذكر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أنها تشمل كل من جاء بعد الصحابة، وأن من صفات المؤمنين الدعاء للسابقين وحسن الاعتقاد فيهم. ونقل القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، عن عائشة رضي الله عنها قولها: أُمروا أن يستغفروا لأصحاب محمد ﷺ فسبّوهم. ونقل أيضاً عن مالك بن أنس رحمه الله استدلاله بهذه الآية على أن من سبّ أصحاب رسول الله ﷺ فليس له في الفيء حق؛ لأن الله جعل استحقاق اللاحقين مقروناً بوصف الاستغفار لمن سبق، فمن انتفى عنه الوصف انتفى عنه الحكم. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية العاشرة من السورة، إلى أن ختم الآية بـ{رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} مناسب لمقام الدعاء بنزع الغل؛ لأن الرأفة رقة تقتضي إزالة ما يؤلم القلوب.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تمت بهذه الآية سلسلة الطبقات الثلاث، وبها انتقل الخطاب من الماضي إلى المستقبل المفتوح. وسرّ عظمة موقعها أنها جاءت في سياق قسمة المال، فقررت أن الأمة وحدة واحدة ممتدة في الزمان لا في المكان فقط؛ فكما اشترك المهاجرون والأنصار في الفيء، اشترك اللاحقون معهم في العطاء وفي الدعاء. ثم إن ذكر نزع الغل بين المؤمنين تمهيد بديع لما يليه مباشرة من كشف حال المنافقين؛ فقابل بين قلوب تدعو أن تسلم من الغل وقلوب مملوءة بالخديعة، وبين صف يدعو بعضه لبعض وصف {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ}. وهذا التقابل بين نهاية المقطع الثاني وبداية الثالث من أدق مواضع النظم في السورة.