لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ
لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ
هذه الآية تكشف العلة الباطنة لجبنهم. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثالثة عشرة من سورة الحشر، أن المعنى: لأنتم أيها المؤمنون أشد رهبة في صدور هؤلاء من الله؛ لأنهم يخافونكم خوفاً حاضراً مشاهداً ولا يخافون الله لجهلهم به. واختُلف في مرجع الضمير في {صُدُورِهِم}: فقيل هو لليهود، وقيل للمنافقين، وقيل لهما جميعاً؛ والمعنى صحيح على كل الوجوه لاشتراكهما في الوصف. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن هذا ذمّ لهم بأن خوفهم من المخلوق أعظم من خوفهم من الخالق. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن ختمها بـ{لَّا يَفْقَهُونَ} تعليل بانتفاء الفقه، وأن الفقه أخص من العلم لأنه إدراك المعنى الخفي بالنظر في الظاهر. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير الآية الثالثة عشرة من السورة، إلى أن في هذا الخطاب تسلية للمؤمنين وبشارة لهم بأن الرعب المبثوث في قلوب أعدائهم هو سلاحهم الخفي.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية معلّلة لما قبلها؛ فبعد أن قرر القرآن أنهم لن يخرجوا ولن ينصروا وسيولّون الأدبار، بيّن هنا السبب النفسي: خلل في ميزان الخوف. ثم إنها تمهد للآية التالية التي تصف صورة قتالهم ({إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ})، وتختم بمثل هذا التعليل: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ}. فاتفقت الآيتان في البناء واختلفتا في مناط الذم: نفي الفقه هنا ونفي العقل هناك؛ وهذا من دقائق النظم، إذ نُفي الفقه في مقام العلاقة بالله لأنه إدراك خفي، ونُفي العقل في مقام تدبير الاجتماع البشري لأنه إدراك ظاهر.