لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ
لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ۚ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ۚ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ
تتم هذه الآية تشخيص حال الفريقين. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الرابعة عشرة من سورة الحشر، أن المعنى: لا يقاتلكم اليهود والمنافقون مجتمعين إلا وهم متحصنون في قرى ذات حصون أو من وراء حيطان؛ لأنهم لا يثبتون في مواجهة مكشوفة. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن ذلك من جبنهم وذلتهم، وأن {بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ} أي إنما تظهر شجاعتهم فيما بينهم لا في مواجهة أهل الحق. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن {جُدُرٍ} جمع جدار، وقُرئ {جِدَارٍ} بالإفراد، وأن المعنى واحد في الدلالة على الاحتماء بالبناء. ونقل عن أهل التأويل أن قوله {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ} كاشف عن أن اجتماعهم صوري لا حقيقي. وأشار ابن عاشور في "التحرير والتنوير"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن ختمها بنفي العقل بعد نفي الفقه في التي قبلها ترقٍّ في الذم؛ لأن العقل أساس والفقه ثمرة، فنفي الأساس أشد.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تسير هذه الآية مع سابقتها في نسق واحد: كل منهما تصف حالاً ثم تعللها بنفي وصف إدراكي. وقد انتقل الوصف هنا من الباطن إلى الظاهر: الآية السابقة كشفت رهبة القلوب، وهذه أظهرت أثرها في ميدان القتال. ثم إن قوله {وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ} يقابل مقابلة تامة ما وُصف به المؤمنون في المقطع الثاني من الإيثار وسلامة الصدر والدعاء المتبادل؛ فبان أن السورة تعرض نموذجين لبناء الجماعات: جماعة تجمعها القلوب وإن تفرقت ديارها، وجماعة تجمعها الجدران وقلوبها متفرقة. ثم يمهد ذلك للمثلين في الآيتين التاليتين، فإن مآل الاجتماع الصوري هو التبرؤ عند الشدة.