كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ
كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ
هذا هو المثل الثاني، وهو أعمق في كشف الآلية. قرر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السادسة عشرة من سورة الحشر، أن المعنى: مثل هؤلاء المنافقين في وعدهم اليهود بالنصرة ثم خذلانهم كمثل الشيطان إذ زيّن للإنسان الكفر حتى وقع فيه، ثم تبرأ منه وأسلمه. ونصّ ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، على أن هذا مثل مضروب لكل من أطاع مغوياً ثم تُرك عند الشدة، وأنه نظير قوله تعالى في سورة إبراهيم: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ}. وقد ذكر بعض المفسرين قصة معينة في سبب هذا المثل، ولا يثبت في تعيينها خبر مرفوع، والأولى حمل المثل على عمومه كما هو مقتضى اللفظ وصنيع المحققين. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير الآية، أن قول الشيطان {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} خرج مخرج التبري والتنصل، وأنه ليس خوف إيمان بل خوف من العقوبة عند معاينة أسبابها.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا المثل بعد المثل الأول ليكمل الصورة؛ فالأول بيّن النتيجة والثاني بيّن الطريق إليها. ووجه المطابقة بين المثل والممثَّل دقيق: المنافقون قالوا لليهود {لَنَنصُرَنَّكُمْ} فأغروهم بالثبات على العناد، ثم تركوهم؛ والشيطان يقول {اكْفُرْ} ثم يتبرأ. فالبنية واحدة: إغراء، فتورط، فتبرؤ. ثم جاءت الآية التالية لتقرر المآل المشترك: {فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ}. وبهذا يختم المقطع الثالث على أن التحالف على الباطل ينتهي بخسران الطرفين معاً، وهو تمهيد لخطاب التقوى الذي يفتتح به المقطع الرابع.