قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ
افتُتحت السورة بأعظم تكريم لدعوى ضعيف في تاريخ التشريع. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الأولى من سورة المجادلة، أن هذه الآية نزلت في خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها امرأة أوس بن الصامت، ظاهر منها زوجها فأتت النبي ﷺ تسأله وتراجعه القول وتشتكي إلى الله ما نزل بها وبولدها، والنبي ﷺ يقول لها: ما أُمرت في شأنك بشيء، حتى نزل الوحي. وأخرج البخاري هذا المعنى معلقاً في كتاب التوحيد في باب قوله تعالى: {وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا}، وأخرجه النسائي وابن ماجه في أبواب الطلاق من قول عائشة رضي الله عنها: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشتكي إلى رسول الله ﷺ وأنا في ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا}. وأخرج أبو داود في كتاب الطلاق في باب الظهار طرفاً من قصتها. وذكر ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، أن هذا من رحمة الله بهذه الأمة أن سمع شكوى امرأة واحدة فأنزل في شأنها قرآناً يُتلى إلى يوم القيامة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء افتتاح السورة بهذه الآية موصولاً بخاتمة سورة الحديد؛ فقد ختمت تلك بأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، فافتتحت هذه بأظهر صورة لهذا الفضل: أن تُرفع قضية امرأة مستضعفة إلى سماء الوحي فتصير تشريعاً للأمة. ثم إن هذه الآية مقدمة لازمة لما بعدها؛ إذ لا يستقيم تقرير الحكم في الظهار (الآيات 2 - 4) قبل بيان أن الشكوى بلغت مسمع الله. ويتصل قوله {وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا} بقوله في الآية السابعة: {إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا}؛ فالسماع هنا في حوار ظاهر، والإحاطة هناك في نجوى خفية؛ فتكامل المعنى في مطلع السورة ووسطها.