يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ۚ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ۚ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
تشريعٌ خاصّ نزل لغرضٍ محدد. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الثانية عشرة من سورة المجادلة، أن الناس أكثروا مناجاة رسول الله ﷺ حتى شقّ عليه، فأمر الله من أراد مناجاته أن يقدّم بين يدي نجواه صدقة؛ فكفّ عن ذلك كثير منهم. وأخرج الترمذي في كتاب التفسير في باب ومن سورة المجادلة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله: إن في كتاب الله لآية ما عمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، هي آية النجوى؛ كان عنده دينار فباعه بدراهم فكان إذا ناجى النبي ﷺ قدّم درهماً، ثم نُسخت فلم يعمل بها أحد. وقال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، إن هذا الحكم لم يبقَ إلا مدة يسيرة ثم نُسخ بالآية التي بعده. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن في هذا التشريع مقاصد: تعظيم مقام النبوة، وتخفيف الكلفة عن النبي ﷺ، وتمييز المخلص من غيره، ونفع الفقراء بهذه الصدقات.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية عقب أدب المجلس مباشرة؛ فالسياق واحد وهو تنظيم علاقة الناس بمجلس النبي ﷺ ومناجاته. وقد سبقها تقرير أن الرفعة بالإيمان والعلم لا بالقرب؛ فناسب أن يأتي هذا التشريع ليمتحن من كان يطلب القرب لأجل المنزلة. ثم جاءت الآية التالية ترفع الحكم وتبيّن الغاية منه: {فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ}؛ فبين الآيتين تلازمٌ تام لا يُفهم الحكم إلا بهما معاً. ولاحظ أن لفظ "النجوى" الذي وُصف قبل قليل بأنه من الشيطان جاء هنا في أشرف صوره: مناجاة الرسول ﷺ؛ فتبيّن أن الحكم على النجوى تابعٌ لمضمونها ومحلّها.