يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ
بعد كشف صنيع أولئك جاء الخطاب لأهل الإيمان. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية التاسعة من سورة المجادلة، أن الله نهى المؤمنين أن يتناجوا بما فيه إثم أو عدوان أو معصية للرسول كما فعل اليهود والمنافقون، وأمرهم أن تكون نجواهم بالبرّ والتقوى. وقال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، إن الله نهى عباده المؤمنين أن يكونوا كالكفار والمنافقين في تناجيهم بالإثم، وأمرهم بأن يتناجوا بالطاعة. وأخرج البخاري ومسلم في كتاب الاستئذان من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث حتى تختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يُحزنه؛ وهذا الحديث أصل في أدب النجوى ومتصل بمعنى الآية التالية. وبيّن السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآية، أن ختمها بـ{وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} ربطٌ للأدب الاجتماعي بالمآل الأخروي؛ فالذي يستحضر الحشر لا يجعل سرّه في الإثم.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية على وزن الآية السابقة في ألفاظها؛ فاستعملت الألفاظ الثلاثة نفسها {بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ}، لكن في سياق النهي بدل الإخبار. وهذا التوازي مقصود؛ إذ يجعل المؤمن يرى صورة المذمومين ثم يُقال له: لا تكن مثلهم في عين ما ذُمّوا به. ثم لم يقتصر على النهي بل أعقبه بالأمر بالبديل: {وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ}؛ وهو منهج قرآني مطّرد في ألا يُترك المنهيّ فراغاً بل يُملأ بمشروع. ثم جاءت الآية العاشرة تكشف عن مصدر النجوى المذمومة وتأمر بالتوكل؛ فاكتمل العلاج: نهيٌ، فبديلٌ، فكشف المصدر، فتحصين بالتوكل.