إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ
إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ
انتقل السياق من بيان الحدود إلى وعيد من يتعدّاها. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية الخامسة من سورة المجادلة، أن {يُحَادُّونَ} معناه يشاقّون ويعادون ويكونون في حدّ وشقّ غير الحدّ الذي عليه الله ورسوله. وأن {كُبِتُوا} معناه أُخزوا وأُذلّوا وغُيّظوا، وقيل: أُهلكوا كما أُهلك من قبلهم من الأمم المكذبة. وقال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، إن المحادّة مخالفة الحق ومعاندة الرسول والوقوف في جانبٍ والشرع في جانب، وإن هذا سبب الخزي في الدنيا والآخرة. وبيّن القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن "الكبت" في اللغة الصرف والإذلال، وأصله من "الكبد" فأُبدلت الدال تاءً على قول بعض أهل اللغة؛ أي أُصيبوا في أكبادهم بالغيظ. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن قوله {وَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ} قطعٌ لعذر المحادّ؛ إذ لو كان الحكم خفياً لالتُمس له عذر، فأما وقد نزلت البينات فلا حجة له.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تتصل هذه الآية بخاتمة الآية السابقة اتصالاً مباشراً؛ فقد ختمت تلك بقوله: {وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، فجاءت هذه لتبيّن حال من يقف خارج هذه الحدود. ولاحظ توارد اللفظين: "حدود" في تلك و"يحادّون" في هذه؛ فهو تجانس اشتقاقي يربط الآيتين برباط لفظي ومعنوي معاً. ثم إن هذه الجملة {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} ستتكرر في الآية العشرين من السورة؛ فصارت كالإطار الذي حُصر بين طرفيه المقطع الأوسط كله. ثم عُقّب في الآية التالية بمشهد البعث والإحصاء؛ فالكبت في الدنيا والفضيحة في الآخرة.