اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ
اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ
انتقل السياق من الأعراض إلى العلة الجامعة. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية التاسعة عشرة من سورة المجادلة، أن {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ} معناه: غلب عليهم واستولى عليهم وحواهم إليه؛ يقال: استحوذ على كذا إذا استولى عليه وأحاط به. وأن {فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ} أي أنساهم أمر الله ووعيده والعمل بطاعته. وقال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، إن الشيطان تسلّط عليهم حتى صاروا حزبه وأتباعه، وإن الله حكم عليهم بالخسران المطلق. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن "الحزب" الطائفة التي تجتمع على أمر واحد وتتناصر عليه، مأخوذ من "الحَزْب" وهو الأمر الشديد الذي ينزل بالمرء. وأشار السعدي في "تيسير الكريم الرحمن"، عند تفسير هذه الآية، إلى أن جعل نسيان ذكر الله ثمرةً للاستحواذ فيه إرشادٌ إلى أن دوام الذكر هو الحصن الذي يمنع هذا الاستيلاء.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية خاتمة وصف المنافقين وبيان علّتهم الجامعة؛ فبعد أن عُدّدت خصالهم — الموالاة، والحلف الكاذب، واتخاذ اليمين جُنّة، والصدّ، والاغترار بالمال والولد، والحلف يوم القيامة — أُرجعت كلها إلى أصلٍ واحد: استحواذ الشيطان الناشئ عن نسيان الذكر. ثم أُلحقوا بحزب الشيطان وحُكم عليهم بالخسران. وقد جُعلت هذه الجملة نظيراً لخاتمة السورة {أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}؛ فبين الموضعين تقابلٌ تام في التركيب والمعنى، وهو من أظهر معالم بناء السورة.