اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ
اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ
كشفت الآية عن أخصّ حيلهم. ذكر الطبري في "جامع البيان"، عند تفسير الآية السادسة عشرة من سورة المجادلة، أن معنى {اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً}: جعلوا حلفهم الكاذب وقايةً وستراً يستترون به من القتل وأخذ الأموال؛ فهم يحلفون أنهم مسلمون ليأمنوا على أنفسهم. وأن {فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ} يحتمل معنيين: صدّوا أنفسهم عن الدخول في الحق، وصدّوا غيرهم بما يبثونه من التشكيك؛ والوجهان جميعاً واردان. وقال ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"، عند تفسير هذه الآية، إن معنى الجُنّة الترس الذي يُتقى به؛ فجعلوا الأيمان ترساً يحمي ظواهرهم مع فساد بواطنهم. وذكر القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسير هذه الآية، أن هذه الآية وردت بنحوها في سورة المنافقون، وأن ذلك من تكرار المعنى في السور المتقاربة لتقرير الحكم في النفوس.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية على نسق التي قبلها: خصلةٌ ثم جزاؤها. ووجه ترتيبها أنه ذُكر في الآية الرابعة عشرة أنهم {يَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ}، ثم بُيّن هنا لماذا يحلفون: ليتخذوا الأيمان جُنّة. فبين الآيتين تلازم السبب والغاية. ثم انتقل في الآية التالية إلى ما يعتمدون عليه من أموال وأولاد فبيّن أنها لا تغني عنهم؛ فتساقطت دروعهم واحدة بعد أخرى: دِرْع اليمين في هذه الآية، ودِرْع المال والولد في التي بعدها. وهذا التدرج في نزع الأسباب من أدق ما في هذا المقطع من بناء.