إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ
هذا حكم الفريق الثاني؛ والمعنى: إن الذين صدّقوا بالله وعملوا بطاعته، لهم بساتين تجري الأنهار من تحت أشجارها وقصورها، وذلك هو الظفر العظيم الذي لا ظفر بعده. ونقل الطبري في جامع البيان عند تفسير هذه الآية أن {الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} هو النجاة من النار ودخول الجنة، وأنه سُمي كبيراً لأنه لا يعدله فوز. وذكر السعدي في تيسير الكريم الرحمن عند تفسير هذه الآية أن مقابلة عذاب الحريق بالجنات الجارية فيها الأنهار من ألطف ما في السورة؛ إذ قوبلت النار بالماء، والاحتراق بالري، والحفرة الضيقة بالبساتين الواسعة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاءت هذه الآية مقابلة للتي قبلها في البناء اللفظي: {إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا} في مقابل {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا}، و{فَلَهُمْ عَذَابُ} في مقابل {لَهُمْ جَنَّاتٌ}؛ فتمت المقابلة في التركيب كما تمت في المعنى. ووجه إيراد هذا الجزاء بعد قصة الأخدود بلا فاصل: أن المؤمنين في تلك القصة لم يُنصروا في الدنيا ولم يُنقذوا من النار؛ فكان لا بدّ من بيان مآلهم لئلا تبقى القصة ناقصة في نظر الناظر؛ فجاءت الآية لتقول: هؤلاء الذين رأيتموهم يحترقون هم الفائزون. ثم إن وصف الفوز بأنه {الْكَبِيرُ} يقابل ما بدا من صغر شأنهم في الدنيا؛ فالميزان يُقلب رأساً على عقب.